عبد الملك الجويني

21

نهاية المطلب في دراية المذهب

فيه تفويتٌ لحق واحدٍ منهما ؛ فإنه إذا هم أحدهما بالمفارقة ، تمكن الثاني ( 1 ) من مساوقته ، واستمكن من مبادرة الفسخ . قال شيخي : لو قالا : أبطلنا الخيار ، أو قالا : أفسدناه ، ففيه وجهان : أحدهما - لا يبطل الخيار ؛ فإن الإبطال يُشعر بمناقضة الصحة ، ومنافاة الشرع ، وليس كالإجازة ؛ فإنها تصرفٌ في الخيار ، وهذا ضعيف جداً ، ولكن رمز إليه شيخي ، وذكره الصيدلاني . 2885 - فأما ما لا يكون قولاً ، وهو رافعٌ للخيار ، فالأصل في ذلك الافتراق ، فإذا تفرق المتعاقدان ، زال خيارُ المجلس ، وإذا لزم أحدهما المجلس ، ففارقه الثاني ، انقطع الخيارُ ؛ فإن هذا إذا جرى عُد افتراقاً ، والشارع اعتبر الافتراق ، وليس من شرطه ، أن يأخذ أحدُهما جهةً ، ويأخذ الآخر جهة أخرى ، ولو تساوقَ المتبايعان ، وزايلا مكان العقد ، ولم يتفرقا ، فالبيع جائز ، والخيار قائم ، وإن تماشيا أياماً منازل ( 2 ) ، فالمعتمد في قطع الخيار افتراقُهما . ثم الرجوع في الافتراق إلى العرف ، فليس في ذلك توقيفٌ شرعي ، ولا ضبط معنوي ؛ فإن جمعهما بيتٌ مقتصدٌ ، فالمفارقة بخروج أحدهما من البيت ، وإن كانا في عَرْصةٍ ضاحية ( 3 ) ، فإذا فارق أحدهما ، ومشى خطوات ، وبَعُد بُعداً ، يُعدّ ذلك مفارقةً ، انقطع خيارُ المجلس . ولو تبايعا قريبين من باب بيت ، فتعدى أحدهما البابَ ، وخرج ، فالظاهر عندي أن ذلك مفارقة ، وإن خطا خطوتين مثلاً . وإذا تبايعا في صدر بيتٍ مقتصد ، فالمفارقةُ بالخروج من الباب . هذا حكم الجريان على العرف . ويخرج من ذلك أن البعد يختلف باختلاف المجالس ، فإن جمعهما بيتٌ ، فالتعويل على الخروج منه ، وإن لم يجمعهما بيت ، فيراعى فيه بُعدٌ يُعدّ فراقاً ، ويمكن

--> ( 1 ) عبارة ( ه‍ 2 ) : تمكن الآخر من المساوقة . ( 2 ) منازل : جمع منزل . والمراد هنا مراحل الطريق التي ينزل المسافرون بعدها للراحة . ( 3 ) عَرْصة الدار ساحتها . وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناءٌ ، والجمع عراصٌ وعرصات ( معجم ومصباح ) . والمراد هنا أنهما تبايعا في بقعة خارج البلد .